ابن عربي
292
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
ناديته بمدامع لو أنها * شرّبت لشرّاب لكانت مغنما يا طالبا بالحج رحمة ربه * أرضيت بالحرمين تقتل مسلما ومن وقائع بعض الفقراء إلى اللّه تعالى ، ما قرأ علينا عبد اللّه ابن الأستاذ ، قال : قال بعض الفقراء : رأيت في واقعتي الحق تعالى وهو يقول لأبي مدين : مادّة سرك بسنا نوري ، وغذاء روحك برؤيتي وسروري ، وقلبك موضع عظمتي وجبروتي . هي أحوال مني اقتبستها ولي رددتها ، فأنت لي ولي صرف . يا أبا مدين ، جاوز نظر الناظرين نظرك ، وتعلق بي فكرك . فلما قدرتني قدري كنت سمعك وبصرك . وعرفتك بي فعرفتني ، ونزهت سرك عن سواي فنزهتني ، فأنت ظاهر وباطن بي ولي . فقال أبو مدين : سبحانك سبحانك اللهم أدم فضلك ، عجزت الأوهام عن وصف وصفك ، وامتلأت الأسرار أنسا بذكرك . ثنائي ثناؤك ، وأمري أمرك . فواصل اللهم نوري بنورك ، فلا يقتبس الفضل منك إلا بك . خبر اللّات والعزّى روينا من حديث أبي الوليد ، عن جده ، عن سعيد بن سالم ، عن عثمان بن ساج ، عن محمد بن السائب ، عن أبي صالح ، عن ابن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، أن رجلا ممن مضى كان يقعد على صخرة لثقيف يبيع السمن من الحاج إذا مرّ يلتّ سويقهم ، وكان ذا غنم ، فسميت صخرة اللات . فلما فقده الناس قال لهم عمرو : إن ربكم اللات قد دخل في جوف الصخرة . وكانت العزّى ثلاث شجرات نخل ، وكان أول من دعا إلى عبادتها عمرو بن ربيعة والحارث بن كعب . وقال لهم عمرو : إن ربكم يصيّف باللّات لبرد الطائف ، ويشتّي بالعزّى لحرّ تهامة . وكان في كل واحد شيطان يعبد . فلما بعث اللّه عز وجل محمدا صلى اللّه عليه وسلم بعث بعد فتح مكة خالد بن الوليد إلى العزّى يهدمها ، فخرج في ثلاثين فارسا من أصحابه إلى العزى حتى انتهى إليها فهدمها . ثم رجع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « أهدمت ؟ » ، قال : نعم يا رسول اللّه . قال : « هل رأيت شيئا ؟ » ، قال : لا . قال : « فإنك لم تهدمها ، فارجع إليها فاهدمها » . فخرج خالد بن الوليد وهو متغيظ ، فلما انتهى إليها جرّد سيفه ، فخرجت إليه امرأة سوداء عريانة ناشرة شعرها ، فجعل السادن يصيح بها ، قال خالد : وأخذني اقشعرار في ظهري ، فجعل السادن يصيح ويقول : أعزّاي شدّي شدّة لا تكذبي * أعزّاي ألقي بالقناع وشمّري أعزّاي إن لم تقتلي المرء خالدا * فبوئي بذنب عاجل وتبصري